تواصل معنا
المعارض والفعاليات

اندثار ملابس الشارع

بقلم علي خان

قم بزيارة هذة  الصفحة بنسختها الإنجليزية هنا

في ديسمبر 2020 صرّح فرجيل أبلوه في مقابلة مع مجلة “دايزد” أنّ ملابس الشارع قد ماتت. ورغم أنّ هذا التصريح مثّل صدمة لمعظم المتابعين إلاّ أنه لم يكن مفاجئًا على الإطلاق نظرًا للطبيعة الدورية لاتجاهات الموضة. لكنّ ما أثار السخرية أن يأتي هذا التصريح من فرجيل أبلوه والشركة المسؤولة عن موت هذه الدورة الحالية من اتجاهات ملابس الشارع بقدر ما كانت مسؤولة عن الترويج والدعاية لها.

وتتعدد الأسباب، سواء كان ذلك بسبب التعاون الذي لم يتخطّ القص واللصق للعلامات التجارية المتعاونة، أو التدهور المتكرر والحصري والذي تعارض مع قيمة العلامة في أن تكون حصرية أو صعبة المنال. أو بسبب الاعتماد على المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي سعيًا لاستبدال الجوهر بالمظهر والدعاية. كما أن الحاجة إلى النمو المستمر وزيادة الأرباح أدّت إلى  إضعاف جوهر ملابس الشارع لدرجة أنها لم تضر بالأصالة طويلة المدى لهذه العلامات التجارية “الصاخبة” فقط بل سرّع في توجهها إلى الثقافة السائدة، أي المكان الذي تموت فيه الموضة  عادة.

سواء عندما اختار بيير كاردان إنتاج الملابس الجاهزة في الستينيات، أو عندما قامت فيفيان وستوود بعرض الملابس "الفاضحة" في عروض الأزياء في السبعينات، أو عند عرض فيرساتشي للجينز كأحدث صيحات الموضة في الثمانينيات، فإنّ تأثير ملابس الشارع على المصممين كان تأثيرًا قويًّا ومتسقًا.

علي خان
T-shirt by Balenciaga, Vest by Paco Rabanne, Track pant by Doublet, Visor by Streetwear Ali Khan Christian Dior ©AliKhan
T-shirt by Balenciaga, Vest by Paco Rabanne, Track pant by Doublet, Visor by Christian Dior ©AliKhan

Top image: High neck pullover by Prada ©AliKhan

يجب الإقرار بأنّ العولمة والانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي في خضم ثورة الاتصالات المستمرة سمح للتيار الحالي لملابس الشارع بالتأثير على الموضة الراقية أكثر من أي وقت مضى. وومع ذلك، فهي ليست ظاهرة جديدة. أثّرتملابس الشارع في عالم الأزياء الراقية لعقود. سواء عندما اختار بيير كاردان إنتاج الملابس الجاهزة في الستينيات، أو عندما قامت فيفيان وستوود بعرض الملابس “الفاضحة” في عروض الأزياء في السبعينات، أو عند عرض فيرساتشي للجينز كأحدث صيحات الموضة في الثمانينيات، فإنّ تأثير ملابس الشارع على المصممين كان تأثيرًا قويًّا ومتسقًا.

T-shirt by Satan's School for Girls, Belt by Helmut Lang seen by Shayne Oliver, Jeans by Balmain, Boots by Doc Martens ©AliKhan

وحتى خلال فترة التسعينات التي تميزت بالتفكيك ومناهضة الموضة فقد قام المصممان الأكثر نفوذاً في ذلك العقد، برادا وهيلموت لانغ، بتعزيز استمرارية قيم الشارع ضمن آخر صيحات الموضة من خلال دمجها بشكل دائم في جوهر تصميم علامتهما التجارية. . ومع ذلك، وحتى هذه اللحظة، وعلى الرغم من كل تأثير الشارع، بقيت الموضة الراقية موضة راقية لا تُخطِئها العين، ولم يكن هناك مجال للخلط أبدًا بين العلامات التجارية للمصممين الذائعين والعلامات التجارية لملابس الشارع.

أمّا التواتر الحالي لتأثير الشارع وامتزاجه مع آخر صيحات الموضة فيمكن ربطه بتأسيسعلامات مثل “بايثنغ آيب” و “ماسترمايند” التي قدِمت من اليابان في التسعينات. انطلقت هذه العلامات التجارية بهدف أساسي: إدخال الصناعة الراقية وجودة التركيب إلى سوق يفتقر عادة إليهما بهدف تسويقها بسعر محدد. وكانت نتيجة هذه الاستراتيجية رفع هذه العلامات إلى مستوى أسعار المصممين، ومن ثمة وضعها بشكل خاطئ في عالم الموضة الراقية. وهكذا بدأت رسميًّا الدورة الحالية لتأثير ملابس الشارع على الموضة وطمست الخطوط الفاصلة بين ملابس الشارع والأزياء الراقية، مما أدى إلى ولادة أصناف مثل “ملابس الشارع القاخرة”. وقد شهد العقد الماضي معالجة هذه الظاهرة ببراعة أحيانًا (ديمنا جفاساليا، كيم جونز، هيروشي فوجيوارا)، وبصورة كارثية أحيانًا أخرى (أميري).

ويمكن القول إنّ هذا التوجه بلغ أوجه في مشروع التعاون بين “سوبريم” و “لوي فيتون” ضمن مجموعة الملابس الرجالية لخريف 2017. ورغم اعتبارها المجموعة الأكثر رواجًا من المولعين بملابس الشارع ورغم الأرباح العالية التي حققتها مبيعاتها إلاّ أنّ هذه الخطوة اعتُبرت مخاطرة بالنسبة لعلامة تجارية فاخرة مثل لوي فيتون التي ربطت اسمها بعلامة تجارية لملابس الشارع. ومع ذلك فإنّ لوي فيتون حققت أرباحًا من المجموعة من خلال شرائها لهذه المجموعة  التي تشتد الحاجة إليها في الشارع وزخمها الهادئ و”الرائع”،  بينما واجهت “سوبريم” انتقادات من العملاء الذين اتّهموهم بالسعي وراء البيع دون احترام العلامة.نجحت سوبريم على امتداد سنوات في خلق روح لعلامتها والحفاظ على رغبات زبائنها الأوفياء، وذلك باعتماد خطة تجارية مدروسة بعناية تقتبس المبادئ الأساسية لنموذج أعمال المنتجات الفاخرة: ملابس نادرة وحصرية  وصعبة المنال. و في الوقت نفسه أسعار بيع في المتناول للحفاظ على عملائها الأساسيين المولعين بالتزلج. وقد جلب التعاون مع لوي فيتون إلى سوبريم أفواجًا من العملاء الجدد الأثرياء والقادرين على الترويج للعلامة والراغبين بشدة في اتباع الموضة العصرية. ولا بد من الاعتراف بأن سوبريم ظلّت على امتداد ثلاث سنوات من التعاون مع لوي فيتون (إلى أن تم بيعها مؤخّرًا) ملتزمة باستراتيجيتها كما هي منذ عقود، وقاومت أي إغراء بالتوسع السريع، وحافظت بذلك على ولاء زبائنها الأساسيين.

 

Photoshoot Streetwear Tokyo Ali Khan Jacket by Ambush X Nike, Tshirt by Helmut Lang, Jogger by MISBHV, Custom Sunglasses by Annie Foo Designs
Jacket by Ambush X Nike, Tshirt by Helmut Lang, Jogger by MISBHV, Custom Sunglasses by Annie Foo Designs ©AliKhan

في نفس الوقت، حدث تحوّل آخر داخل بيوت التصميم. أصرّ الجميع على إطلاق مسمى “المدير الإبداعي” على المصمم الرئيسي وليس “المصمم” (كما جرت العادة سابقًا). لم يحصل ذلك بالصدفة بل كان نتيجة مباشرة للتوظيف الخاطئ لمصممي ملابس الشارع على قمة العلامات التجارية الفاخرة. ومنهم على سبيل المثال:  ماثيو إم ويليامز في جيفنشي وفيرجيل أبلوه في لوي فيتون الذين تمكنوا من إيجاد جمهورًا جديدًا لكنهما لم يقدّما أي شيء جديد في قطاع الموضة. كان عدم فهمهم لماهية الفخامة والأزياء الراقية واضحًا ، وقد تمّ توثيق محدودية مهارات ومفردات هؤلاء المصممين جيدًا في المقالات المستقلة المختلفة التي انتقدت مجموعاتهم . ويظهر هذا بشكل خاص في الملابس النسائية، والتي تكون بشكل عام أكثر تعقيدًا في قصها ومدى ملاءمتها مما لعب بلا شكّ دورًا في تسريع زوال ملابس الشارع من آخر صيحات الموضة.

يشير الاستحواذ الأخير على علامة سوبريم من في أف كورب فضلاً عن استحواذ مونكلير على ستون آيلند على نهاية هذه الحقبة. الرسالة واضحة: موجة ملابس الشارع التي كانت تنتهجها هذه العلامات التجارية (وعدد كبير من العلامات التجارية الأخرى) أخذت بالتضاءل وقد حان الوقت لإيجاد مستثمر بقدرات تمويلية كبيرة لإدارة هذه العلامات التجارية في المستقبل. ورغم أنّ هذه العلامات ستبقى على قيد الحياة وتنمو، إلا أنها ستتخذ مكانها كمؤسسات تنتمي للتيار الرئيسي السائد في أسلوب الشارع في مجال ثقافة الموضة والأزياء. انتهت أيامهم في التأثير على الموضة. ولا ينطبق ذلك على مئات العلامات التجارية لملابس الشارع والتي ظهرت في العقد الماضي دون أن يكون لديها تراثها الخاص ، ومنهم: بالم أنجلز، وهيرون بريستون، وأمبوش على سبيل المثال لا الحصر. ولنتذكّر مس سكستي وإنرجي في التسعينات، العلامات التجارية التي تأسست خصيصا للاستفادة من التيارات الرائجة وقتها ثم انتهت بمجرد زوال تلك التيارات، وهو أمر شائع في الموضة يحدث كل عقد.

Photoshoot Streetwear Ali Khan T-shirt by Gosha Rubchinskiy, Trouser by JW Anderson, Underwear by Supreme, Boots by Balmain
T-shirt by Gosha Rubchinskiy, Trouser by JW Anderson, Underwear by Supreme, Boots by Balmain ©AliKhan

ما من شكّ أنّ ملابس الشارع كما يعرفها أبلوه والتي كان لها تأثير هي بصدد الاختفاء، لكن ملابس الشارع بأصالتها ستبقى. فملابس الشارع بطبيعتها مناهضة للموضة  والكلمة نفسها تصف وبطريقة غامضة ثقافة تطوّرت حديثًا من خلال التفاعل بين فنانين من خلفيات ومهارات ورؤى متنوعة. ليس المقصود منها أن تصبح مؤسسة، وليست مريحة تحت الأضواء. وعلى الرغم من أنّ كلمات مثل “سنيكرهيد” و “أوفرسايز هودي” أصبحت الآن جزءًا من المفردات السائدة ، إلا أن هناك شيء مؤكد حول آخر صيحات الأزياء : فهي لا تحب السائد. لطالما انتقل جمهور الموضة الأوائل  ومنذ فترة طويلة إلى اعتماد الجديد من ملابس الشارع ولمواسم عديدة. وسوف يبرز في العقد القادم مجموعة جديدة من المصممين، ويمكن أن يكون هؤلاء المصممون في أي مكان في العالم الآن، يكافحون للبقاء ولا يعرفهم التيار السائد إلى أن يتحول التيار لصالحهم. . لن تموت ملابس الشارع بل سيعاد ابتكارها مجدّدًا عبر جيل جديد من الشباب، بعد أن تتخلص من ذلك الانتماء القديم وتخدم الثقافات الفرعية التي تنتمي إليها بشكل أصيل ودون أن تدّعي الموضة الراقية.



fashion_film_fetish@

علي خان مستشار في الأزياء الفاخرة ومقيم في الدوحة. تشمل خبراته المتنوعة التصميم، واستباق التوجهات الجديدة، والتسويق، والبيع بالتجزئة، والدراسات الأكاديمية، وهو يجمع على نحو فريد بين المنتجات الفاخرة عالية الجودة وصناعة ملابس الشارع. وتشمل انتماءاته الأكاديمية كليات مرموقة مثل HEC باريس والكلية الملكية للفنون بلندن، ومعهد تكنولوجيا الموضة بنيويورك، وجامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر حيث يعمل حاليا أستاذ مشارك في تصميم الأزياء.

حصلت أعماله على العديد من الجوائز وتُعرض باستمرار في نيويورك ولندن وتمثل جزءًا من المجموعة الدائمة لمتحف الفن في نلسون بنيوزيلندا. وتتم دعوته بانتظام لأسابيع الموضة في جميع أنحاء العالم بصفته مؤثّرًا، وهو ينشر مقالاته وصوره في عدة مجلات أكاديمية ومجلات الموضة كما يقدّم أبحاثه في مؤتمرات التصميم حول العالم. وهو عضو في هيئة تحرير أحد مجلات الأزياء الكبرى.

عدد رقم
1

روح المجتمع

سبتمبر–نوفمبر ٢٠٢١
error: Content is protected !!

Explore new perspectives on art and design from
our community and our international contributors

تعرف على معارضنا وفعالياتنا الحالية والسابقة